أبي منصور الماتريدي

570

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

الله » ؛ إذ لا يفتتح شيء إلا به ؛ فذلك تعوذهم منه ، لكن التعوذ في هذا تعوذ بكناية ، والتعوذ في قراءة القرآن بالتصريح ؛ وذلك أنه حجة وبرهان ؛ فطعن الأعداء فيما هو حجة في نفسه أكثر من الأفعال التي فعلوها ؛ ألا ترى أنه كان يلقنهم - أعني الشيطان [ و ] أولياءه - أنه سحر ، وأنه : أساطير الأوّلين ، وأنه إنما يعلمه بشر ، ونحوه . وقوله : وَإِنَّ الشَّياطِينَ لَيُوحُونَ إِلى أَوْلِيائِهِمْ لِيُجادِلُوكُمْ [ الأنعام : 121 ] : كانوا يطلبون الطعن في القرآن ؛ لأنه حجّة وبرهان ، ولم يشتغلوا في طعن فعل من الأفعال أو ذكر من الأذكار ؛ فعلى ذلك يجوز أن يكون التعوذ منه - فيما هو حجة - بالتصريح ، وفي غيره بكناية ، والله أعلم . ثم في هذه الآية ، وفي غيرها من قوله : إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ [ المائدة : 6 ] ، وقوله : فَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ [ النحل : 98 ] - لم يفهم أهلها منها على ظاهر المخرج ؛ ولكن فهموا على مخرج الحكمة ؛ لأن ظاهر المخرج أن يفهم التعوذ بعد فراغه من القراءة ، وكذلك يفهم من الأمر بالقيام إلى الصلاة الوضوء بعد القيام إليه ، ثم [ لم ] « 1 » يفهموا - في هذا ونحوه - هذا ؛ ولكن فهموا : إذا أردت قراءة القرآن فاستعذ بالله ، وكذلك فهموا من قوله : إِذا قُمْتُمْ أي : إذا أردتم القيام إلى الصلاة فَاغْسِلُوا ، ولم يفهموا كل قيام ؛ إنما فهموا قياما دون قيام ، أي : إذا [ أردتم ] القيام إلى الصلاة وأنتم محدثون ، وفهموا من قوله : فَإِذا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ [ الجمعة : 10 ] ، وفهموا من قوله : فَإِذا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا [ الأحزاب : 53 ] ، وكذلك فهموا من قوله : فَإِذا قَضَيْتُمْ مَناسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ [ البقرة : 200 ] - الفراغ منها ؛ دلّ أن الخطاب لا يوجب المراد والفهم على ظاهر المخرج ؛ ولكن على مخرج الحكمة والمعنى . وأصل التعوذ هو الاعتصام بالله من وساوس عدوه وكيده . وقوله - عزّ وجل - : إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا . قال بعضهم : ليس له سبيل على الذين آمنوا . وقال بعضهم « 2 » : السلطان : الحجّة ، أي : ليس له حجة على الذين آمنوا . وقال بعضهم : أي ليس له ملك على الذين آمنوا - ملك القهر والغلبة - إنما ملكه على الذين يتولونه ، لكن ليس له ملك القهر على الذين يتولّونه أيضا ؛ إنما يتبعونه ويطيعونه

--> ( 1 ) سقط في أ . ( 2 ) قاله مجاهد ، أخرجه ابن جرير ( 21918 ) ، وابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم ، كما في الدر المنثور ( 4 / 246 ) .